أحمد بن يحيى العمري
293
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
بنا قرار ، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار ، ولا نقيم إلا بقدر ما يتزيد الزائر من الأهبة ، أو يتزود الطائر من التغبة ، تحمل همنا الخيل العتاق ، ويكبوا البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق ، وكان السلطان من حلب قد أمر جميع عساكره بإدراع لامات حربهم ، وحمل آلات طعنهم وضربهم ، ورحلوا من حلب جرائد على الأمر المعهود ، قد خفقوا كل شيء حتى عن السيف الغمود ، فسرنا في جبال تشتهي فيها سلوك الأرض ، وأودية تهلك الأسواط فيها إذا ملئت الفروج من الأرض ، واستقبلنا الدرب كما قال المتنبي [ 1 ] : [ الطويل ] رمى الدّرب بالخيل العتاق إلى الورى * وما علموا أن السّهام خيول [ 2 ] فلما تجلى من دلوك وصنجة * علت كل طود رنة وعويل [ 3 ] على طرق فيها على الطّرق رفعة * وفي ذكرها عند الأنيس خمول [ 4 ] ومررنا من دلوك وهي رسوم باكية على سكانها ، ضاحكة عن تبسم أزهارها ، وتقهقه غدرانها ، ذات بروج مشيدة ، وأركان موطدة ، ونيران تزاويق موقدة في عمد من كنائسها ممددة ، وسرنا إلى مرج الديباج نتهادى ، وذلك في ليلة مدلهمة ذات أندية ، وإن لم تكن من جمادى ، لا يثبت تربها تحت قدم المار وكأنما ساكنها يمشي على شفا جرف هار [ 5 ] . وبتنا نستخف بالنسبة إليها ليلة الملسوع ، وتتمنى العين فيها هجمة هجوع ،